اسماعيل بن محمد القونوي

177

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كان حاصلا من النار بعد التصفية وأيضا النور من الأعراض كما اعترف به في أوائل سورة الأنعام وأوضحه في سورة النور بالتوسع في الكلام والنار جوهر لطيف حالا في محلها وبين العرض والجوهر بون بعيد إلا أن يقال المراد بالنور والنار هنا ما قام بذاته غير حال في محل لا ما هو المتعارف فحينئذ يراد بالنور جوهر مضيء بذاته لا ما كان حاصلا من النار إذ الظاهر أن خلق الملائكة متقدم على خلق النار لا سيما حملة العرش وسكانه متقدم على النار الخ . فإن قيل الكلام في ضرب من الملائكة لا المطلق قلنا قد عرفت أن بيانه يقتضي العموم وإن ادعى الفرق فعليه البيان واللّه المستعان وأيضا طبيعة النار على فرط الحرارة والإحراق ( فإذا صارت مهذبة مصفاة ) ونورا بقي الحرارة والإحراق كما هو محسوس وثابت بالاتفاق ولو خلقت الملائكة منها إما أن يلتزم الحرارة والإحراق فيهما أو يقال إنهما زالت بعد الحلق منها وكلاهما ضعيف أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن الحرارة والإحراق إذا زالت عن النار لم يبق حقيقة النار فصارت حقيقة أخرى فيختل ما قصده ولا ينال ما رامه وبالجملة ما وقع في الخاطر الفاتر أن كلام المصنف هنا مختل من وجوه شتى تعرف بالتأمل الأحرى وقد أشرنا إلى ذلك بالوجه الأول ( كانت محض نور ) . قوله : ( ومتى نكصت ) أي رجعت قهقرى لأنه مفهوم النكص ( عادت الحالة الأولى جذعة ) بالجيم والذال المعجمة أي حديثة طرية وجعله بعضهم من الجدع بالدال المهملة بمعنى البقية والأول هو المناسب للمقام « 1 » قوله إلى الحالة الأولى وهي الاختلاط بالدخان والاشكال بأن ما ذكره المصنف في تفسير قوله تعالى : وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ [ الرحمن : 15 ] لا دخان فيه ينافي ما ذكره هنا من أنهم خلقوا من نار مخلوطة بالدخان مدفوع بأن في الحس لا دخان فيه وهو الذي أراده هناك وأما في الواقع فمخلوط بالدخان وهو الذي أراده هنا ( ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويبقى الدخان الصرف ) . قوله : ( وهذا أشبه بالصواب ) أي القول بجواز كون ضرب من الملائكة موافقا للجن كافرين قبل إبليس ليكون هو بعضا منهم وأجيب بجوابين أحدهما التزام ذلك لما روي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال إن اللّه خلق خلقا من الملائكة ثم قال لهم إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [ ص : 71 - 72 ] فقالوا لا نفعل ذلك فبعث اللّه عليهم نارا فأحرقتهم وكان إبليس منهم والثاني أنه فرد من أفراد هذه الماهية وإضافته إليها لا يقتضي وجودها كما أن الحيوان الذي خلقه اللّه تعالى أولا يصح أن يقال إنه فرد من أفراد الحيوان لا بمعنى أنه فرد من أفراد الحيوان الموجودة في الخارج بل بمعنى أنه فرد من أفراد هذه الماهية . قوله : خزعة بالخاء والزاي المعجمتين من خزع فلان عن أصحابه يخزع بالفتح خزعا أي تخلف ورجع . قوله : ولا تزال تتزايد أي لا تزال تلك الحالة الأولى تتزايد في الضعف .

--> ( 1 ) إذ لم يبق بعد صيرورتها نورا شيء من الدخان حتى تقيد الحالة الأولى بها .